الشنقيطي

9

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عن الإحسان » « 1 » ، أي وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختيار فيه ، فبين النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة اللّه تعالى ، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه ، فقال له : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . واختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ وقوله يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ وفي مرجع الضمير في قوله : مِنْهُ . فقال بعض العلماء : معنى يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يزورون عن الحق ، وينحرفون عنه ، لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره ، ومن أزور عنه وانحرف ثنى عنه صدره ، وطو عنه كشحه . بهذا فسره الزمخشري في الكشاف . قال مقيده - عفا اللّه عنه - وهذا المعنى معروف في كلام العلاب ، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه ، ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه . فمن الأول قول ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب : خليلي عوجا بارك اللّه فيكما * على دارمي من صدور الركائب تكن عوجة يجزيكما اللّه عنده * بها الأجر أو تقضي ذمامة صاحب يعني : اثنيا صدور الركائب إلى دارمي . ومن الثاني قول الشنفر : أقيموا بني أمي صدور مطيكم * فإني إلى قوم سواكم لأميل وقول الآخر : أقول لأم زنباع أقيمي * صدور العيش شطر بني تميم وقيل : نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة . كان حلو المنطق ، يلقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء . وقيل : نزلت في بعض المنافقين ، كان إذا مر بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثنى صدره وظهره ، وطوطا رأسه وغطى وجهه لكيلا يراه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان . حكي معناه عن عبد اللّه بن شداد .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الإيمان حديث 43 ، والتفسير حديث 304 ، ومسلم في الإيمان حديث 5 ، وابن ماجة في الإيمان حديث 64 ، وأحمد في المسند 2 / 426 ، وأخرجه عن ابن عمر مسلم في الإيمان حديث 1 ، وأبو داود في السنة حديث 4695 ، والترمذي في الإيمان حديث 2610 ، وأحمد في المسند 1 / 52 ، 53 ، وأخرجه عن عمر بن الخطاب : ابن ماجة في المقدمة حديث 63 ، وأحمد في المسند 1 / 51 .